الحاكمُ الرقيقُ بشأنِ نفسه

مرحبًا أيها الإنسان، مرحبًا من أرضِ معركتك، من حياتك الحقّة.

انتظر، هل هي معركتك فعلًا؟ هل هذه الحياة «خاصَّتُك» خاصَّتُك؟

حسنًا، مرحبًا مجددًا.

هل صادف أنَّ من أخذوا بيدك وقالوا: «كن أنت»، «نُحبّك كما أنت» أنهم بالتحديد يقصدون بذلك القول صورةً مُتخيّلة في ذهنهم عمّا يُفترض أن تكون عليه؟ هل صادف أنِ ارتطمتَ فجأة بالقيود التي يدفعونها ناحيتك كمزيجٍ هلاميّ مع حديثهم العاديّ؟

هل صادف أن تعثّرت؟ وتعدّلت في وقفتك، وتعثّرت؟ ويؤكَّد لكَ مرارًا بأن هذا طبيعيّ، بل إنَّ هذا كفاح. هل صادف أن تنبّهتَ؟ ثم عَدِلتَ عن ذلك لأنَّ هذا غير مُمكنٍ عقلًا؟ من قال إنَّ هذا غير ممكنٍ عقلًا؟ قلبُك؟ إنه قلبُك. لا أحد شجاع بما يكفي ليحتوي إنسانٍ بلا قيودٍ يُدركها بعقله، كما أنَّ برمجة العقل قد لا تحصل على كل حال بأمرٍ من ذات الإنسان، وإنه في هذا الحال لا يستطيع إنكارَ صوتٍ وهو أصم. حين يقول لكَ «كنت أنت» فإنه -على الأرجح- يعرف هذا الطريق، من البُقعة التي تدوس عليها الآن، يعرف إلى أين ستصل بك عادةً، لكنكَ أنت.. ربما لا تريد أن تصل، ربما جازفتَ وكنتَ أنتَ بالفعلِ وانعطفتَ قبل نقطة الوصول «المزعومة»، ربما حصلَ وصرتَ طيرًا لا يعترف بالطرقات الأرضيّة وإنما بالفضاءِ الفسيح.

أوَتعلَم أيها الإنسان! إنَّ هذه حياتك، بالوقتِ الكريم الذي تقرأ بوساطتِه هذا الكلام، إنها حياتك، بالمسافة الفاصلة بينك وبين هذه الكلمة التي ستقف عندها الآن. بأفكاركَ القذرة التي يستحيل على الإنسان البسيط تفهّمها، بعنصريّتك الكامنة التي هي أكثر رسوخًا من نشوز العامة، بجانبك السيئ الذي يمكنك تبريره على الدوام، بجانبك الطيّب الذي لا تعرف كيف تُعبّر بهِ دون أن تبدو ساذجًا أو مُتمَلِقًا، بتناقضاتك غير المنطقيّة، إنها حياتك!

لا أحد جاد بما يكفي فيما يقوله بشأنك، يقولون الكثير من الكلامِ ليظهروا، ليبرزوا إلى سطحك، ليصبح صوتهم جزءًا لا يتجزَّأ منك، حين يستقرّ متزعزعًا في منطقة تفكيرك. لا أحد جادٌّ في ذاتهِ، إنهم يعرفون ما تعرفه وتظنّه أيضًا، إنهم مثلك، كم صادف أن تعثّروا وتعدّلوا وتعثّروا فتعدّلوا، إنها حياتهم. بل قد تكون واحدًا منهم يظن أنه ليس في الحقيقةِ منهم، تجد نفسك تشمئز منهم فقط لأنَّ هذا النصّ اقتضى استنفارهم بطريقةٍ ليست كما تظن. وربما تكون أسوأ، هل أنت كذلك؟

كم مرةً ارتطمتَ بالإطار؟ ثم توجّب عليك إنكاره بالمرّة لأنك ستكون مُغفّلًا حينها؟ ثم لِقُدرة الأقدار أنك في شدة إنكارك صرتَ مُغفّلًا رسميًّا، ولكنكَ لن تقنع بهذا، إنَّكَ الحاكمُ الرقيقُ بشأنِ نفسه.

هل صادف أنَّ كثيرًا ممن راهنوا عليكَ أمام أنفسهم أو أمام جمعٍ غفير من الناس قد جاؤوا إليك مرارًا ليُذكّروك بهذا، على شكلِ ندمٍ خفيّ، أو تحذيرٍ أو خجلٍ أو تملّق؟ وذلك حين تكون أنت، ولم تكن أنتَ، أنتَ الذي في ذهنهم من ذلك الإطار الذي فرّغوه لتقبَع داخله، هذا الإطار من صُنعهم، إنهُ أرضُهم.

ليس من شأنك أن تُصدر الأحكام والقرارات داخله، إنْ أنتَ إلا الذي يريدونك أنْ تكونه. وإن كنتَ منهم فلن تعرف هذا أبدًا ما لم تكن عارفًا بنفسك، ما لم تكن دميةً لآخرين يضعونك في إطاراتهم الخاصة أيضًا. وكنتَ قد راهنتَ على أشخاص كثر؛ ليستمروا على ما تتوقعه منهم، لتكتمل الصورة المُتخيّلة عندهم وتبتهجُ وحيدًا بعقلكَ الخلَّاق.

اعلم أنَّ هذه الحياة الشاسعة ليست مسؤوليتك، وإن أولئك الأشخاص ليسوا تحت جنسك، إنك من جنسهم أيضًا، لن تُجنّد أُناسًا بعقلك الذي قد تتجدَّد أساساته يوميًّا، قدّم استقالتك من هذه المهزلة، المهزلة التي ربما لم تبصرها يومًا، جاهد لأجل ذاتك، فإن النصرَ لا يجيء مبتذلًا، ولا يُنصف المعارك غير الشريفة، قدّم استقالتك فورًا؛ لأن لديك الكثير مما يفترض عليك إنجازه قبل أن تخرج، إنها حياتك التي ربما لم تكن حياتك من قبل.

إن لم تكن أنتَ أنت، فاختر من يُشكّلون ماهيتك جيّدًا، على الأقل لا تغفل عن اليدِ التي خرجت عن حياتها وتطفّلت على حياتك، كثيرًا ما تكون المقاومة جهادك الوحيد وتنجح..

هل أبدو لك منهم؟ أعني أولئك الذي يصنعون من كلامهم إطارًا يرمونك داخله؟ لا تدخله إذًا. دائمًا سيكون الأمرُ قاضيًا بإرادتك ما لم تتحامق أو تتمحَّكَ بحذلقةٍ قد تُحيلك لنكرة، لا تصلح حتى لتسليم هذه المعركة، من فرطِ ما تستحق من المداراة والحماية.

إنني أجزم أنَّ هذه الحياة لا ترحم الإنسان الضائع، ربما تصير حياته مقبولة، فقط لأنَّ عقله يرى ذلك، إذ يطيب له أن تجلده الحياة بطريقتها الشهيرة، بشرط أن لا يشعر بالألم، وربما أسقطَ هذا الشرط أحيانًا. وإني أعني بالضائع الذي يخطو خطواته دون ترصُّد، أو لمجرد التقليد، أو لإعادة حياةٍ قد وجدت من قبل، الذي يظن أن تاريخه لم يبدأ بعد، ويرى في كل مرحلةٍ جديدة مرحلة تمهيدية لمجدٍ سيحين، ولا يحين.

ــــــــــــ

*النص نُشر في إذاعة قبَس، بصوت الرائعة منار:

3 رأي حول “الحاكمُ الرقيقُ بشأنِ نفسه

  1. هنا آزمة وجود بإمتياز..ازمة إنغماس فى Free Imaginative Variation ولا أعرف عفوًا مقابلها بالعربي /سارترا..عودة على بدء تصوير جدًا مثير

    Liked by 1 person

  2. نص خلاق واجد كل الحروف المتقافزة في وعيي الحاضر مجرد حذلقة امام هذه الصور الباذخة الواقعية والوغول في النفوس البشرية والوجود، ممتن للصدفة التي سمحت لي بالعثور على هذا النص والموهبة الاستثنائية.

    تحياتي

    Liked by 1 person

أضف تعليق